أحمد بن محمد القسطلاني

434

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

قال ) : ( العبد ) المؤمن المخلص ( إذا وُضع في قبره وتولى ) بضم الواو وكسر الضاد ، من : وضع ، وفتح المثناة الفوقية والواو واللام من : تولى ، مبنيًّا للفاعل ، أي : أدبر ( وذهب أصحابه ) من باب تنازع العاملين ، وقول ابن التين : إنه كرر اللفظ ، والمعنى واحد ، تعقب أن التولي هو : الإعراض ، ولا يلزم منه الذهاب ، وفي اليونينية : وتُولّي بضم الفوقية وكسر الواو واللام ، مصحح عليهما ، وفي غيرها بضم الواو مبنيًا للمفعول ، قال الحافظ ابن حجر : إنه رآه كذلك مضبوطًا بخط معتمد ، أي : تولي أمره أي : الميت وسيأتي في رواية عياش بلفظ : وتولى عنه أصحابه ، وهو الموجود في جميع الروايات ، عند مسلم وغيره . ( حتى إنه ) أي الميت ، وهمزة إن مكسورة لوقوعها بعد حتى الابتدائية كقولهم : مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه ، قاله الزركشي ، والبرماوي وغيرهما ، وزاد الدماميني أيضًا : وجود لام الابتداء المانع من الفتح في قوله : ( ليسمع قرع نعالهم ) بفتح القاف وسكون الراء ، وهذا موضع الترجمة ، لأن الخفق والقرع بمعنى واحد ، وإنما ترجم بلفظ : الخفق إشارة إلى وروده بلفظه عند أحمد ، وأبي داود من حديث البراء في حديث طويل فيه : وإنه ليسمع خفق نعالهم ، زاد في رواية إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، عن أبيه عن أبي هريرة عند ابن حبان في صحيحه : إذا ولوا مدبرين . ( أتاه ملكان ) بفتح اللام ، وهما المنكر والنكير ، وسميا بذلك لأنهما لا يشبه خلقهما خلق الآدميين ، ولا الملائكة ، ولا غيرهم . بل لهما خلق منفرد بديع ، لا أنس فيهما للناظر إليهما ، أسودان أزرقان ، جعلهما الله تعالى تكرمة للمؤمن ليثبته ويبصره ، وهتكًا لسر المنافق في البرزخ ، من قبل أن يبعث ، حتى يحل عليه العذاب الأليم ، وأعاذنا الله من ذلك بوجهه الكريم ونبيه الرؤوف الرحيم ، ( فأقعداه ) أي : أجلساه غير فزع ، ( فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ، محمد ) بالجر عطف بيان ، أو بدل من سابقه ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ ) ولم يقولا : ما تقول في هذا النبي ؟ أو غيره من ألفاظ التعظيم ، لقصد الامتحان للمسؤول ، إذ ربما تلقن تعظيمه من ذلك ، ولكن { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ } [ إبراهيم : 27 ] ( فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال ) أي : فيقول له الملكان المذكوران أو غيرهما : ( انظر إلى مقعدك من النار ، أبدلك الله به مقعدًا من الجنة . قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فيراهما جميعًا ) أي : المقعدين اللذين أحدهما من الجنة والآخر من النار ، أعاذنا الله منها ( وأما الكافر - أو المنافق - ) شك الراوي ، لكن : الكافر لا يقول المقالة المذكورة ، فتعين : المنافق ( فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس ! فيقال ) أي : فيقول المنكر والنكير ، أو غيرهما : ( لا دريت ) بفتح الراء ( ولا تليت ) بالمثناة التحتية الساكنة بعد اللام المفتوحة ، وأصله : تلوت ، بالواو . يقال : تلا يتلو القرآن ، لكنه قال : تليت بالياء للازدواج مع دريت أي : لا كنت داريًا ولا تاليًا . وقال في الفائق : أي : لا علمت بنفسك بالاستدلال ، ولا اتبعت العلماء بالتقليد فيما يقولون ، أو : لا تلوت القرآن ، أي : لم تدر ، ولم تتل ، أي : لم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك ، ولأبي ذر : ولا أتليت ، بهمزة مفتوحة وسكون التاء . قال ابن الأنباري : وهو الصواب ، دعاء عليه بأن لا تتلى إبله ، أي : لا يكون لها أولاد تتلوها أي : تتبعها . وتعقبه ابن السراج : بأنه بعيد في دعاء الملكين . قال : وأي مال للميت . وأجاب عياض باحتمال أن ابن الأنباري رأى أن هذا أصل الدعاء ، استعمل في غيره كما استعمل غيره من أدعية العرب ، وقال الخطابي ، وابن السكيت : الصواب : ائتليت ، بوزن : افتعلت ، من قولك : ما ألوته ، ما استطعته . و : لا آلو كذا بمعنى : لا أستطيعه . قال صاحب اللامع الصبيح : لكن بقاء التاء مع ما قرره ، أي الخطابي : آلو بمعنى أستطيع مشكل وقال ابن بري : من روى تليت فأصله ائتليت بهمزة بعد همزة الوصل ، فحذفت تخفيفًا ، فذهبت همزة الوصل ، وسهل ذلك لمزاوجة دريت . ( ثم يضرب ) الميت بضم أوّل يضرب ، وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول ( بمطرقة ) بكسر الميم ( من حديد ) صفة لمطرقة ، و : من ، بيانية ، أو : حديد ، صفة لمحذوف أي : من ضارب حديد ، أي : قوي شديد الغضب ، والضارب